الشيخ محمد رشيد رضا

20

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ذكر في الآية السابقة ان الذين أوتوا الكتاب يعلمون ان ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون ، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم وذلك الانكار وهو انهم يعرفون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما في كتبهم من البشارة به « 1 » ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره ، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته ، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء . قال عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه - وكان من علماء اليهود وأحبارهم : أنا أعلم به مني بابني : فقال له عمر رضي اللّه عنه : لم ؟ قال : لأني لست أشك في محمد انه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت - فقد اعترف من هداه اللّه من أحبارهم كهذا العالم الجليل وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه صلّى اللّه عليه وسلّم معرفة لا يتطرق إليها الشك وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ انه الحق الذي لا مرية فيه ، فماذا يرجى منهم بعد هذا ؟ وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في ( يعرفونه ) لما ذكر من أمر القبلة ، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات ، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير . وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذ لم يكونوا كلهم كذلك ، فان منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به ، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله ، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل . ثم قال عز شانه : * * * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ الامتراء الشك والتردد وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق والمعنى ان هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق - أو ان جنس الحق في الدين هو الوحي - من عند ربك المعتني بشأنك ، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين فإنها لا تصلح شبهة على الحق الصريح الذي علمك اللّه فتمتري به والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى

--> ( 1 ) يراجع تفصيل ذلك في تفسير ( 7 : 156 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ) ( ص 224 - 300 ج 9 تفسير )